الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
497
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وبهذه الجهة يكون ذكرهم له تعالى أدوم وأدمن ، إذ طبع هذه المشاهدة يقتضي جذبهم عليهم السّلام إليه تعالى دائما ، ويجب صرف توجّههم ذاتا إلى غيره تعالى كما لا يخفى على أهل البصيرة ، ولأجل هذه المشاهدة الدائمية قالوا في حقّهم : " وأدمنتم ذكره " وقوله عليه السّلام : " ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللَّه قبله ومعه وبعده ، إذ علمت أنّ العارف خصوصا هم عليهم السّلام من أشهده اللَّه تعالى ذاته وصفاته وأفعاله ، وليس العالم إلا ظهور ذاته تعالى في أفعاله وصفاته تبارك وتعالى وتقدّس ، وهو أي العالم ، شهود لهم عليهم السّلام بما هو مظاهره تعالى ، فلا يرون شيئا إلا ويرونه تبارك وتعالى كما علمت . وبهذا اللحاظ أيضا ورد في الدعاء : " يا من له ذكر لا ينسى " فإنّه يمكن أن يراد بالذكر ذاكريّته تعالى بناء على كون المصدر أريد به الفاعل ، وحينئذ كونه لا ينسى هو أمر ظاهر ، لأنّه تعالى ذاكر ولا ينسى ، قال تعالى : ( وَما كان ربّك نسيّا ) 19 : 64 ( 1 ) ، ويمكن أن يراد بالذكر مذكوريّته تعالى بأن يذكره أولياؤه دائما فهو حينئذ بهذا اللحاظ المذكور آنفا ، فإنّ أولياءه العارفين به تعالى حيث إنّه تعالى أشهدهم على نفسه وصفاته وأفعاله ، كما تقدّم فلا محالة لا ينسونه . بل يمكن أن يقال في خصوص هذه الجملة : إنّ عدم نسيان ذكره تعالى يكون لكلّ أحد ، ضرورة أنّ كلّ إنسان بل كلّ حيوان ذاته غير خالية عن الجهة النورية ، التي هي جهة إضافته إلى ربّه ، فلا محالة لا يخلو كلّ أحد عن مذكورية هذا النور ، فلا محالة لا يخلو حينئذ عن مذكوريّته تعالى ، لأنّ هذا النور قد علمت أنّه مضاف إليه تعالى ، وحينئذ يرجع مضمون الجملة إلى ما دلَّت عليه الآيات والأحاديث من أنّ الإقرار بوحدانيّته تعالى وبوجوده أمر فطري لكلّ أحد ، كما حقّق في محلَّه . أقول : وحينئذ يمكن أن يراد من قوله عليه السّلام : " وأدمنتم ذكره ، " هذا الذكر الفطري الذاتي ، الذي هو التوحيد ، والذي فطر الناس عليه ، قال اللَّه تعالى : ( فطرة اللَّه التي
--> ( 1 ) مريم : 64 . .